أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

336

العقد الفريد

وأمره بأمره ، وقال له : إني إنما أدخلك بين جلدي وعظمي ؛ فلا توطئنّي عشواء « 1 » ، ولا تخف عني أمرا تعلمه . فخرج سلم بن قتيبة حتى قدم المدينة ، وكان عبد اللّه يبسط له في رخام المنبر في الروضة ، وكان مجلسه فيه ؛ فجلس إليه وأظهر له المحبة والميل إلى ناحيته ؛ ثم قال له حين أنس إليه : إن نفرا من أهل خراسان ، وهم فلان وفلان - وسمّى له رجالا يعرفهم ممن كان يكاتب ، ممن استقرّ عند أبي جعفر أمرهم - قد بعثوا إليك معي مالا ، وكتبوا إليك كتابا فقبل الكتاب والمال ، وكان المال عشرة آلاف دينار . ثم أقام معه ما شاء اللّه حتى ازداد به أنسا وإليه استنامة « 2 » ، ثم قال له : إني قد بعثت بكتابين إلى أمير المؤمنين محمد ، وإلى وليّ عهده إبراهيم ؛ وأمرت أن لا أوصل ذلك إلا في أيديهما ، فإن أوصلتني إليهما وأدخلتني عليهما ؛ أوصلت إليهما الكتابين والمال ، ورحلت إلى القوم بما يثلج صدورهم ، وتقبله قلوبهم ، فأنا عندهم بموضع الصدق والأمانة ، وإن كان أمرهما مظلما ؛ وإن لم تكن تعرف مكانهما ، لم يخاطروا بدينهم وأموالهم ومهجهم . فلما رأى عبد اللّه أنّ الأمور تفسد عليه من حيث يرجو صلاحها ، [ وأنه لا سبيل إلى ما معه ] إلا بإيصاله إليهما وإظهارهما له ، أوصله - فدفع الكتابين مع أربعين ألف درهم - ثم قال : هذا محمد ، وهذا إبراهيم . فقال لهم : إن من ورائي لم يبعثوني ولهم ورائي غاية ، وليس مثلي ينصرف إلى قوم إلا بجملة ما يحتاجون إليه ، ومحمد إنما صار إلى هذه الخطة ، ووجبت له هذه الدعوة ، لقرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ وهاهنا من هو أقرب من رسول اللّه رحما وأوجب حقا منه قال : ومن هو ؟ قال : أنت ! إلا أن يكون عند ابنك محمد أثر ليس عندك في نفسك ! قال : فكذلك الأمر عندي . قال له : فإن القوم يقتدون بك في جميع أمورهم ، ولا يريدون أن يبذلوا دينهم وأموالهم وأنفسهم إلا بحجّة يرجون بها لمن قتل منهم الشهادة ؛ فإن أنت خلعت أبا جعفر وبايعت محمدا اقتدوا بك ، وإن أبيت اقتدوا بك أيضا في

--> ( 1 ) العشواء : الناقة التي في عينها مرض . ويقال : أوطئتني عشواء : أي أمرا ملتبسا . ( 2 ) الاستنامة : الاستقرار .